الترهل الإداري.. و «الأنامالية» في حادثة العقبة ..!!

أردني - عوني الداوود - الأنامالية» هي اختصار « وأنا مالي - بالعامية « وهي شعار اللامبالاة وهي مدعاة للاهمال واحيانا للفساد المؤدي الى كوارث ..الى آخر كل ما تحمله الكلمة من معاني عدم الاكتراث .

يحضرني الاسم والمعنى وأنا أتوقف عند معلومة وجود تقارير سابقة وأهمها - تقريران لمؤسسة الضمان الاجتماعي تم خلالهما التحذير من وجود خلل في منظومة السلامة العامة والصحة في الميناء الى درجة « الوضع الحرج « ..ومع ذلك لم يؤخذ بهما حتى وقعت الحادثة !

هذه المعلومة تطرح تساؤلات عديدة ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

1 - لو فتحنا ملفات كثيرة من المؤسسات الحكومية وحتى القطاع الخاص كم تحذيرا أو تنبيها أو توصية سنجدها تحذّر من مغبّة وقوع مشكلة او كارثة اذا لم يتم اتخاذ اجراءات معينة ؟ وكم توصية تم تنفيذها ؟.. أو بالأحرى : لماذا لا يتم تنفيذ تلك التوصيات خصوصا المتعلقة باجراءات السلامة العامة؟

2 - السؤال الاول يفتح سؤالا أكبر: لماذا وكيف يتم تعيين مسؤولين - بعقلية «الموظف «وليس عقلية «القيادي «- لا يقدّرون حجم الخطر ولا يتخذون اجراءات استباقية تحول دون حدوث الخطر.. خصوصا اذا كانت هناك دراسات تحذر من المخاطر قبل وقوعها ؟

3 - والسؤالان الأولان يفتحان سؤالا اكبر واكبر يتعلق بالاصلاح الاداري المنشود والذي ننتظر توصياته من اللجنة المختصة لان الاصلاح الاداري اساس نجاح الاصلاح الاقتصادي وحتى السياسي ، فأخطاء الادارة تعصف بكل الاصلاحات الاخرى.

اعتدنا غالبا على محاولة تصويب الاخطاء بعد وقوع الكوارث، ووضع توصيات تنفّذ أحيانا ولا تتابع غالبا لتعود الاخطاء وتتكرر في مكان آخر، وأحيانا في نفس المكان وهناك شواهد ربما لا مجال لتعدادها الآن.

ما حدث في ميناء العقبة وما تم الاعلان عنه - خصوصا ما يتعلق بالترهل الاداري - هو صورة مصغّرة لغالبية ما يحدث في كثير من الوزارات والمؤسسات الحكومية والشركات المساهمة الكبرى التي تساهم بها الحكومة.. والدليل أننا اكتشفنا « - بعد وقوع الكارثة - بأن عدد العاملين في الميناء أكثر من 2300 عامل وان الحاجة الحقيقية لا تزيد على 700 موظف - بحسب تصريحات نائب رئيس سلطة منطقة العقبة حمزة الحاج حسن يوم أمس -وأن نحو 713 شخصا تم تعيينهم في شركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانئ منذ عام 2016 بدون أي سبب أو حاجة - بحسب تصريح وزير الداخلية خلال المؤتمر الصحفي يوم امس- ..

مثل هذه الحالة من عبء الزيادة ( غير المنتجة ) في اعداد الموظفين تتكرر في مؤسسات.. والمشكلة ان معظم الاعداد - الزائدة - لموظفين غير مؤهلين ولا مدربين ، وهناك تعيينات جاءت عبر « الواسطة « ،في ظرف نعاني فيه من البطالة وانتظار اعداد كبيرة من الخريجين فرصا للتعيين ولا يجدونها حتى وصلت نسب البطالة بين الشباب - بحسب « النقد الدولي» - لاكثر من 50 ٪ .

ما حدث في العقبة لا يستوجب فقط اعادة النظر باجراءات السلامة والتزود بادواتها - التي اتضح من التحقيق وجود كثير منها دون ان يتم استخدامها - بل يستوجب اعادة النظر بمن يدير و/ او يعمل في جميع مؤسسات الدولة واعادة تقييم شاملة لكل من يشغل وظيفة - خصوصا القيادية - فيما اذا كان كفؤا لها ام لا .. وتدريب من يلزم او يستوجب تدريبه وتأهيله ،وضخ دماء جديدة حريصة على العطاء .

الاصلاح الاداري هو الاهم ، لان جميع الاخطاء التي ترتكب في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى الرياضية سببها اداري في الاساس وهناك قرارات ادارية تتخذ لا يحاسب مرتكبوها وتكلف الخزينة ملايين وربما مليارات عبر السنوات المتعاقبة دون رقيب او حسيب.

حادثة العقبة دفعنا ثمنها غاليا جدا بأرواح زكية من ابناء الوطن او من وافدين جاءوا يبحثون عن لقمة العيش ، علاوة على اصابات تعرض لها العشرات ،عدا عن خسائر مادية .. وسيأخذ القانون مجراه ..ولكن لا بد من خطط وقائية للحؤول دون تكرار المشهد - لا قدّر الله - في أماكن أخرى وبصور مختلفة عنوانها المشترك ..» الترهل الاداري .. والأناملية « !

(الدستور)